السيد كمال الحيدري
311
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
أم تشريعيّة أم كليهما ، وهو سبحانه وحده القادر على أن يضرّ أو ينفع . يقول سبحانه : قُلْ أَ نَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِى اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِى الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ « 1 » كذا قوله عزّ وجلّ : قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ « 2 » لقد رتّبت الآية الكريمة العبادة على الربوبية وربطت بينهما على نحو وثيق ، فالعبادة لابدّ وأن تكون لله ، والسبب لأنّ الله سبحانه هو ربّ العالمين . بلغة منطقيّة : يلحظ أنّ الحدّ الأوسط في هذا القياس الذي يربط بين المقدّمتين ويثبت ضرورة أن تكون العبادة لله وحده ، يتمثّل في أنّه سبحانه ربّ العالمين . أي أنّ التوحيد في العبادة متفرّع على التوحيد في الربوبيّة . فالآية الكريمة تنصّ : إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ لماذا ؟ لأنّه سبحانه : رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا . كذا الحال في قوله سبحانه : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ « 3 » . سياق الآية واضح في الدلالة على أنّ الشرك في الربوبية والتدبير يجرّ صاحبه إلى الشرك في الخالقية شاء أم أبى ، لأنّ مرجع التوحيد في الربوبية إلى التوحيد في الخالقية ، ومن أشرك في توحيد الربوبية فقد أشرك في توحيد الخالقية أيضاً .
--> ( 1 ) الأنعام : 71 . ( 2 ) الأنعام : 164 162 . ( 3 ) الرعد : 16 .